| Subject: سلطان العجلونيّ |
Author:
No name
|
[
Next Thread |
Previous Thread |
Next Message |
Previous Message
]
Date Posted: 11:56:02 12/11/06 Mon
سلطان العجلونيّ
"أسدُ شرقيّ النهر"
أبو مصعب ... ؟! عندما نسمَعُ بهذه الكنية تتحرّك في أذهاننا صورٌ متعدّدة يدور رحاها حول رجلٍ ضخم ، كثّ اللحية ، شيخٌ قلبه معلّقٌ بالصحابة و بمصعب بن عمير - رضي الله عنه - بالتحديد ... الصحابيّ المعروف سفير رسول الله إلى المدينة قبل الهجرة ، من الصحابة الأوائل الذين وضعوا اللبِنات الأولى في صرح الدعوة الإسلامية .
أما أبو مصعبنا هذا فهو فتى لا يزيد وزنه عن أربعين كغم ، و لا يرتفع طوله عن مائةٍ و أربعين سنتمتراً ، و بالطبع لم تنبُتْ لحيته بعد ، عمره ستة عشر عاماً ، أمّا عن قلبه و هل هو متعلّق بالصحابة و بمصعبنا الأول - رضوان الله عليهم - فهذا ما سأدعكم تحكمون عليه بأنفسكم في نهاية القصة .
رافقت هذه الكنية الجليلة صاحبنا سلطان العجلوني منذ أن كان عمره خمس سنوات ... أختارها بنفسه و كان يطرَب عندما يُنادى بها ... كانت نفسه تمتلئ رجولةً و تلوح في مخيّلته صور الرجال و هم يلتفّون حول رسول الله ... غدوّهم و رواحهم إلى المسجد ، سيوفهم تلمع في مواجهة الكفار ، وجهوهم تشعّ بالنور ثم هم الآن في الجنّة يرتعون و يمرحون فيها ... حقّقوا فوز الدنيا و فوز الآخرة .
كان يتبادل مع إخوانه و أخواته الذين يكبُرونه سنّاً مشاعر الإيمان ... كانوا يبسطون له أجنحة الإيمان ... يشدّون عوده بأخلاق الإسلام ، يقوّمونه على خير الهدْي ، يروونه بأعذَبِ المعاني و أفاضل الثمر ... كان كالشجرة التي غُرِست في أرضٍ طيبة فكان لها الأصل الثابت و الفرع الذي يشقّ طريقه عنان السماء .
اشتعلت الانتفاضة في الأرض الفلسطينية المباركة فأشعَلَتْ مخزن الوقود الذي تراكم تخزينه في حنايا أبو مصعب منذ نشأته الأولى .. كان في السادسة عشرة ... يمرّ على آيات الجهاد ... يقرأ من سورة الأنفال يقتحم بكلّ وجدانه و أحاسيسه ساحة المعركة ... يضرب بسيف عزيمته الصارم ... يصول و يجول ينادي نفسه : "هل أنا شجاعٌ أم جبان" ؟! لا بدّ من المعركة حتى أكشِف عن حقيقة نفسي ؟! لماذا لا تتحرّك بهذا الدين كما تحرّك به أجدادنا ؟! اليهود أشجع منّا ؟! مستحيل !! قَسَماً عَظَماً لو تتاح لي الفرصة لأقفنَّ أمام عشرةٍ من اليهود ، لا بل مائة أو ألف ؟! إنّ المؤمِن الذي يستمدّ قوته من الله لا تقفُ أمامه قوةٌ مهما بلغت ... هكذا قال الشيخ في خطبته ... إننا نحاربهم بإيماننا ... و من يقدِر على الوقوف في وجه الإيمان ؟! فارس قريش عمرو بن ودّ بارزه عليّ - كرّم الله وجهه – و هو ما زال فتى مثلي فسحقه بسيفه البتار ... ما هذا الزمن الذي يهزِمنا فيه حثالةٌ من اليهود الجبناء ... أبْشِروا يا بني صهيون ستذوقون بأسَ الله على أيدينا بإذن الله .
ملأت أجواء المعركة الفاصلة رأس (أبو مصعب) ... كان يسمع جلبتها و صهيل خيولها و صيحات الله أكبر المدويّة ... يتابع أخبار الانتفاضة أولاً بأول ... تغلي الدماء في عروقه عندما يسمع عن فعل الحجر ... يتراءى له قلاع داوود عليه السلام و هو يقتل جالوت ... "إسرائيل" هي جالوت اليوم و أطفال الحجارة مثل داوود عليه السلام ، كان يلقي حقيبته المدرسية ثم يخرج إلى الجبل مع أصحابه يبارزهم في قذف الحجارة ... يختار الصلب منها يلقي القبض على أنفاسه ... يستجمع كلّ عضلات جسمه ... يكبّر و يرمي ثم يرتّل عندما يتغلّب على أقرانه ... [و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى] . كان رقيق البنية ، قصيراً ، نحيفاً ... رأسه الصغير يغرَق في شعره الأسود الناعم الذي يتدلّى على جبنيه ... و كان أصحابه يتّقون غضبه و يحسبون له ألف حساب ، تغشّاهم هالة عزيمته القوية ، يكبُر في نفوسهم عندما يفصِح عن الجذوة الملتهبة في صدره ... كانوا يستفزّونه عندما يتندّرون برفع عوده أو دقة ساقه ... يردّ عليهم "كانت ساق ابن مسعود - رضي الله عنه - الرفيعة تزِنُ عند الله جبل أحد" ... و يقول لهم عن المنافقين "كأنهم خشب مسنّدة" ... ردّ عليه إحدى المرات أحد المشاكسين ... قاله له : "إن طالوت زاده الله بسطةً في العلم و الجسم و موسى عليه السلام [إنّ خير من استأجرت القوي الأمين]" . دقّ أبو مصعب طبول الحرب و أعلن التحدّي "حراج عليك" أرِني قوّتك أيها الدبّ الفارغ ، انقضّ أبو مصعب عليه ... طار على عنقه ... أطبَقَ عليها ساعدُه و ضغط بكلّ ما أوتي من قوة ، انقصف هذا الخصم السمين تحته ، جلس أبو مصعب على صدره و قال له : من هو القويّ الأمين ؟! .
تصاعدت الانتفاضة بعنفوانها ، كشَف اليهود عن أحقادهم ، نقلت شاشات التلفاز صور المواجهات ، الجنود المدجّجون بالسلاح و الذخيرة الحية التي كانت توقِع عشرات الضحايا في صفوف الفلسطينيين ... صبّوا جام غضبهم و سلّطوا لهيب حقدهم الأعمى ... اخترعوا الأساليب الجهنّمية التي لم يسبِق لها مثيل ... سياراتٌ تقذِف الحجارة ، عيارات بلاستيكية مطاطيّة ... قنابل مسيلة للدموع ... و متلِفةٌ للصدور... غازات سوداء و صفراء و بيضاء ... الاعتقالات على قدمٍ و ساق ... توالى سقوط الشهداء على خطوط المواجهة ... أصدَر "رابين" وزير الحرب و الإجرام قراره بتكسير العظام ... مشاهد مفزِعة تقشّعر لها الأبدان نقلتها وسائل الإعلام و أصبحت حديث الناس في كلّ مكان .
كان أبو مصعب يتسمّع أخبار الانتفاضة ... كان يتلظّى و يتحرق و كانت شرائع إبحاره تأبى الانطواء ... كانت تصرخ من أعماقه و تناديه بقوة : لا بدّ من الإبحار ... كانت سفُن طارق بن زياد تزيده اشتعالاً عندما تلوح في مخيّلته و هي تحترق ... يسمع صوت طارق : "البحر من ورائكم و العدو من أمامكم و ليس أمامكم إلا النصر أو الشهادة" ... يتلظّى و يحترق على أمرين ... لماذا لا يهبّ المسلمون من كلّ مكانٍ لنجدة إخوانهم في فلسطين ؟! ... كيف تَنام أعينهم و أطفالهم يذْبَحون في أزقّة غزة هاشم ؟!! ... كيف ينامون و يتنعّمون بزهرة هذه الحياة الفانية و آلة الإجرام الصهيونية تنغّص على إخوانهم حياتهم ؟!! ... كيف يصلّون في مساجدهم و يسجُدون على سجّادها الأعجميّ الناعم و أقصاهم الحبيب يدُنّس بأقدام الغزاة ؟!! .. كيف و كيف و كيف ؟!! ... أمّا الأمر الثاني الذي كان يقضّ مضجعه و لا يقرّ له باله فهو أنّه محرومٌ من هذه الانتفاضة المباركة . عندما كنت أحاول اقتحام عالم أبو مصعب الخاص و كيف استطاع أن يخترق به ميدان الانتفاضة برصاصاته الحاسمة ... كيف تحقّق من الأمر الثاني و وصل إلى قرّة عينه ؟! كان يرقد في مستشفى الرملة ، مستشفى السجون (الإسرائيليّة) ، استطعت بعد إلحاحٍ شديد و رجاءٍ حارّ إقناعه بأن يغرُف لي غرفةً من عالم ذكرياته في تلك الأيام التي انضوى فيها ساعدُه مع سواعد الانتفاضة قال لي بصوتٍ تجلّل بالحياء محاولاً استعادة صور الماضي :
"بدأت السنّة الدراسية الجديدة ... الثاني الثانوي العلميّ حيث المنافسة و إثبات الجدارة في ميادين العلم ..." نشوةٌ غامرة تغمرني ، دخلت في ميدان العلم و طلّقت الخمول الأدبيّ بالثلاث ، العلميّ لأعلى الدرجات أما أصحاب العقول المتبلدة ، الذي يتبوّؤن المقاعد الخلفية من الصفوف فقد تراجعوا إلى ميدانهم الأدبيّ حيث التاريخ و الجغرافيا التي يجيدون بصمها و حفظها عن ظهر قلب .
منذ بداية العام و أنا أحاوِل جهدي في تفريغ طاقاتي المكبوتة في الدراسة و البحث ... لا أدري هل أنا أهرُب من إلحاح داعي الجهاد و نداءات الانتفاضة التي فتحت في صدري كلّ أبواقها ؟ ... هل كنت أحيد عن ضربات ضميري القاسية و سيمفونية أوتار قلبي التي تتحرّك أنغامها على إيقاعات أحداث الانتفاضة المتلاحقة ؟ أحياناً أشعر بأنّي أحاول إرضاء هذا الوجدان الذي لا يرضى بالقليل و أشعر بأني أتحرّك نحو الهدف ، و أحياناً أخرى أشعر بأني أبتعد عنه و أحيد عن طريقه ... هل أستطيع من خلال تفوّقي و إبداعي في طلب العلم خدمة الإسلام و رفد نهر الانتفاضة بمدادٍ نوعيّ يُسهِم في تحقيق النصر و العزّة و التمكين ؟ ... أم أنّي أضحك على نفسي بهذه الفلسفة ؟! أبرّر جبني و تخاذلي ... ها هي الأمّة تتخاذل و لا تلبيّ نداء الجهاد ، لا شكّ بأن لكلّ من المسلمين من المبرّرات ما يكفي لسدّ جُبْنه و لَيِّ عنق الشجاعة التي ماتت في نفوس الكثير ... لا بدّ من حرق السفن هذه .. المبرّرات هي السفن ... و لكن لا بدّ من الوصول إلى ضفّة المعركة . استمرّ الصراع حامي الوطيس .. كانت أخبار القمع و الإرهاب الصهيوني تصبّ زيتها على النار التي تلتهب في صدري فترجّح كفة المسارعة إلى خيرات الانتفاضة و اللحاق بالركب الأول ... ركِبَ مصعب الذي كان من أوائل الشهداء في معركة أحد ... لم أكنْ أتصوّر نفسي أن أكون من اللاحقين في نهاية المطاف و إنما يجب أن أكون من المبادرين الأوائل ... ثم تأتي أوقات الدراسة و الوظائف فتتخطَّفني و تخطو بي بعيداً عن حرارة الروح إلى أن تداهمني أخبارٌ جديدة فتعيدني إلى ساحة المعركة ... أذكُر بحثاً علميّاً قمت به حول آخر ما وصل إليه العلم في عالم الأطباق الطائرة أذهلْت بها معلّم العلوم ... وجده مدعّماً بمصادر مرجعية هامّة ... تناول الموضوع من جميع جوانبه ... يروي الظمآن و يصل إلى المطلوب بسهولة ... تتناسق فقراته و تخدُم بعضها البعض بأداءٍ حسن ... زوّدته بالرسومات المطلوبة و سبكته بخطٍ جميل و كأنّه لوحة فنية طُرّزَ عليها أروع التشكيلات الفنية .
نظر المعلم في البحث و نظر في وجهي و كأنّه لا يصدّق أنّ هذا الفتى "المسخوط" يقدِر على هذا ... سأل ... هذا شغلك يا سلطان ؟! شرحت له كيف وصلت إلى المعلومات و كيف ساعدني أخي الكبير الذي يعمل في جامعة اليرموك فوفرَّ لي كافة المراجع المطلوبة ... هزّ رأسه ، تأبّط البحث في يمينه و قال : إنها فاتحةٌ رائعة لك في مجال البحث العلمي ، أرى أنّ لك مستقبلاً عظيماً ... سأعمل على طباعته و تعميمه على المدارس كنموذجٍ و مثالٍ يحتذى به .
أخيراً جاء ما يسحبُني بعنفٍ و يجرّني من ميدان العلم إلى ميدان الجهاد ... أطبقت السماء على الأرض ، ألقَتْ بكلّ كِسَفها و شهبها ... حممٌ بركانية من اللعنات انقذفت دفعةً واحدة على رؤوس المتخاذلين ... يتسمّعون الأخبار ... يتسلّون بأحداث القتل و الدمار و كأنهم يتابعون أفلام العنف و الإثارة التي تخرّجها "هيوليود" ... إذا سمعوا صيحات الله أكبر كأنما يساقون إلى الموت ... ينظرون نظر المغشيّ عليه من الموت كما وصفهم القرآن ... اقتحمَ جنود الفاشية اليهود ساحات المسجد الأقصى المبارك يوم 8/10/1990م و فتَحوا نارَ أسلِحتهم بكلّ أنواعها على المصلّين العزّل ... كان السلاح الوحيد في مواجهتهم هو صيحات الله أكبر ... داسوا بأرجلهم الشيوخ و النساء ... نزفت الدماء بغزارة ... صعدت أرواح الشهداء تشكو إلى بارئها عُتُوّ يهود ...
يذبَحون الأبناء و النساء و لا يستحيون من أحدٍ يقف في وجه جبروتهم . رأيت على شاشات التلفاز المناظر التي تقشعرّ لها الأبدان ... رأيت الأقصى يبكي و يستصرخ ... خبا جاثياً على ركبتيه يتضرّع ، يستجيش ، ينادي أرواح المسلمين ... وا إسلاماه ... لبست أشجار الصنوبر الخضراء لباسَ الحداد و اكتظّت الساحات بآهات المعذّبين ... بكَتْ سماء الأقصى دموعها بعد أن تكاثفت سحب الغازات المسيّلة للدموع و الأرواح ... سيّارات الإسعاف تبدّد هيبة المكان و تصرُخ بنفيرها الصاخب ، تدخل فارغة و تخرج محمّلةً بالضحايا و الجرحى ... هجم اليهود بقضّ حقدهم الأسود و قضيضه ... نفضوا كلّ أغطيتهم فظهرت أنيابهم المسوّمة تلمع أمام نور الأقصى و روحه المباركة ... وجدت شذى دماء شهداء الأقصى يزكم أنفي ... لم أعدْ أرى أمامي سوى الأقصى و الشهداء ... أجلس مع أهلي ، أسمعُ أنّات صدورهم أرى دموع أمي ، مسبّات أبي ، تعليقات إخوتي التي طالت الزعامة العربية ذات العروش المهترئة لا يكفّون عن الحديث و بثّ الشكوى إلى العليّ القدير و المسجد ملتهبٌ بالخطب و الكلمات النارية ... أرخى الناس لعواطفهم العنان ... عبّرت و جادت بكلمات السخط و التنديد بكلّ الخونة و المتآمرين ... أذكرُ مهرجاناً للشيخ عبد الله الخطيب ... كان تحت شعار "استسقاء النصر" في تاريخ 14/10 ... النصر على الأمريكان الذين يتأهّبون و يجمعون بوارجهم الإجرامية للانقضاض على العراق ... و النصر على حلفائهم اليهود الذين ينتهكون الحرمات ليل نهار ... طلب الشيخ البيعة ، مبايعة الجماهير المتلوّعة على ولوج سبيل الله ، كان الحضور يقدّر بمائةٍ و سبعين ألفاً .
نظرت إلى شمس الخريف في عصر ذلك اليوم ... تخبو و تذوي في ذلك المجهول البعيد ... حتى الشمس لا يرحمها و يغيّبها في ظلمات قهره ... تنزل طوعاً أو كرهاً و هي حزينة مكسوفة ... تودّ لو أنها لا تعود ثانية فترى بأمّ عينها هذه المدن التائهة الموزّعة على أصقاع الوطن العربي . كيف تنام و ترضى لنفسها الضياع في ظلمة التقاعس و تترك القدس لوحدها تصارع أعتى خلق الله ؟؟ ... الحثالة التي قتَلتْ أنبياءَها و غيّرت و بدّلت دين ربها ... أحفاد القردة و الخنازير أيّتها المدن الغافية يستبيحون القدس ؟! تساقطت أوراق الشجر في ذلك الخريف كأبسط تعبيرٍ عن غضبها ... أقحَلَتْ الأرض و أظهرت صحراءها الصفراء ... تحوّل الخضار إلى هشيمٍ تذوره الرياح ، ماذا تعني الحياة في هذه المدينة مثلاً ... مدينة من مدن شرقي النهر ، تقع على أطراف الصحراء ... ماذا تعني إن لم تستمدّ روحها من روح القدس ... إن لم تحدّث نفسها بالتوأمة مع القدس من تكون ؟! الخير معقودٌ في نواصي القدس إلى يوم القيامة ... إذا فقدت هذه المدن مليكها و هُتِك عرضه على الملأ فماذا تعني أو غيرها من المدن الغائبة هنا و هناك في عالمٍ مجهول ؟!! ... الشمس بعد أن تغيب تعود فتشرق ثانية ... قل لي ... أتعتقد أن الصحوة الإسلامية قادرة على الإشراق من جديد ؟!! ... ستشجّع الصحوة هذه المدن للإشراق و الاصطفاف من جديد لإعادة مليكها القدس و تحريره من قبضة اليهود ؟ أم أنّ العثور على هيكلِ سليمان أسهل من العثور على أنفسنا وسط هذه الصحراء المديدة ؟!! ..
بايَعت مع المبايعين و قُضي الأمر ... و الآن جاء دور العمل ؟ كيف أُترجِم هذه البيعة ؟! رجَحَتْ كفّة الجهاد و طارت كفّة العلم ... ما فائدة العلم عندما تأتي الرصاصة الصهيونية فتضعُ حدّاً للشابّ الفلسطيني هو و علمه و كلّ ما يحمل من طموحاتٍ و آمال ... الأب الفلسطيني و الأم الفلسطينية ترعى بنيها و ترويها بالدم و مداد القلب و الروح حتى إذا تفتّحت و أزهرت داستها قدم جنديّ مرتزَقٍ جاء من بلاد ما وراء الشمس ، كان كلّ همّي بعد يوم المهرجان الكبير هو ترجمة البيعة ... كيف أدبّر السلاح ؟ قلت لأختي المخطوبة مازحاً ... ما رأيك أن تتبرعي إليًّ بصيغتك ؟ أريد أن أدافع عن القدس ؟! ... قالت بدون تردّدٍ خذْها و توكّل على الله ... ضحكْتُ و قلت لها : إني أمزح ... جمعت حواسي الخمسة في أنفي و بتّ أتشمّم مصادر السلاح ... من يستطيع أن يدبّر ليَّ بندقيّةً رشاشة ؟! ... أشارت إليّ هواجسي إلى شابٍ لا تخلو عائلته من السلاح ... عادةً ما يطلِقون النار في أعراسهم ، أَوْلى لهم أن يستخدموا هذا السلاح في المعركة ... رمَيْت له مزحة ... قلت : لو أنّي أملِكُ سلاحاً لساهمت في الذود عن حرمات الأقصى و أهلنا في الأرض المحتلة ... نظر إلي مستغرباً و قال :
- أجادٌّ فيما تقول ؟! .. قلت :
- و لِمَ لا ؟! ..
بعد يومَيْن جاءني بمسدسٍ و قال ليّ : هذا ما قدرت عليه ... قلت في نفسي كيف سأواجه حرس الحدود (الإسرائيليّ) المدجّج بأحدثِ أنواع السلاح بهذا المسدس ؟! .. لا تنسَ يا عبد العزيز أنّ المعركة بين معسكر الإيمان و معسكر الكفر ... الله معي ... و لا تنسى [و أعدّوا لهم ما استطعتم من قوة] . فلو دبّرت قطعةً من السلاح الرشاش لكان الأمر أفضل و لكن الأمر لا يحتمل التأجيل . فأخبار الانتفاضة و المواجهات حمِيَ وطيسها ... أرواح الشهداء تتصاعد في كلّ مكان ... الأرض ، القرى ، المدن و المخيّمات تلتهب... تحوّلت إلى جحيم ... نارٍ حامية ... تتميّز من الغيظ على جنود الاحتلال تحوّل شهداء الأقصى إلى زيت ، صبّوا أرواحهم على نار الانتفاضة بكلّ سخاء ...
كنت أخرُج بعيداً في الصحراء ... و حين تبدو لي المدينة قريةً صغيرة أُخرِج مسدسي و أتدرّب على التصويب و إطلاق الرصاص ... أتجلّى على صوت الرصاص و هو يلعلع في الفضاء الساكن فيردّد نشيد الوطن ، كنت أشعُرُ بأنّ الكون على امتداده الواسع يحتضنني و يبسط لي ذراعيه رضىً بما أصنع ... ترسِل لي الشمس الحمراء ابتسامتها المودّعة على أمل اللقاء هناك على ثرى فلسطين ... تسلِّمني إلى حضن الليل الدافئ و تمضي نحو مستقرّها ... كلّ شيءٍ يجري في هذه الحياة وفْق تقدير العزيز الحكيم فلا داعي للخوف أو القلق أو التردّد ... أُخاطب الأرض الذلول ، الجبال الراسية ، السماء و النجوم المسطورة على صفحتها ، أنت تطيعين الله كرهاً و أنا أطيع الله و لكن طوعاً و تسليماً بإذنه ... غداً سنطرُق لحن الطاعة و السير قُدُماً في طريق الله ... كنت أتدرّب في هذه الطلعات البريّة على السلاح و أدرّب روحي على العشق و التفاني و الانخراط في أمرِ الله ... أتحنّث سويعات أزوّد قلبي للحظات المواجهة ... كنت أريد لقلبي أن يبقى على ثباته جبلاً شامخاً لا يهزّه شيءٌ مهما بلغ .... بالأمس كانت بيعتي مع الجماهير و اليوم أوطّد بيعتي مع كلّ ما يسبّح الله من الشجر و الحجر ..
عدت إلى بيتي منهَك الجسد منتعش الروح ... وجدت مهرجاناً أو كأنّي أسمع عرساً في البيت ... الفرح يطير من الأعين ... أطرقت أذني ... ماذا أسمع... اجتازوا الحدود ... اشتبكوا مع الجيش قتَلوا و جرحوا ... من هم ؟! خمسة من قوات الأمن .. تركوا الأمْن لأهله و باعوا أنفسهم لله ... هزّتهم مجزرة الأقصى فقرّروا الانتقام و أنت نائمٌ يا عبد العزيز ... ها هم هجموا بمسدّساتهم فماذا تنتظر ؟! ..
صلّيت العشاء و أتبعتها بركعتي استخارة نِمْت على إثرها قرير العين ... أيقظتني نداءات أختي التي ترافقت مع أذان الفجر ... قفزت من فراشي ، نشط الروح ، منشرِح الصدر ، أسرعت في وضوئي و خرجت إلى المسجد ... صلّيت صلات مودّع ... ودّعت المسجد بكلّ ما يحمِل من ذكرياتٍ عزيزة ... صافَحت الإمام و أصحابي بحرارة ... ألقَيْت النظرات الأخيرة على مقعدي الذي كنْت أًدقُّ كوعي فيه على أول درجة من درجات المنبر بجوار مقعد الشيخ الذي كان يدير الجلسات الربّانية . طفْت بنظراتي الدامعة على من في المسجد شيباً و شبّاناً ... حسبوني سابحاً من خشية الله و لم يخطرْ ببالِ أحدٍ أنّها دموع مودّع قد يفارق من غير رجعة ..
سللت نفسي كانسلال الشعرة من العجين قبل أن تسيل دموعي التي بدت لي أنّه سينفكّ رباطها ... عدت أدراجي إلى البيت ... لم أشعُر بأرجلي التي تحملني ... كنت كأنّي أطير في الهواء ... على بساط أجنحة الملائكة ... بدأت خطواتي للمعركة ... أتدري ماذا كانت الخطوة الأولى ؟! لقد كانت الوصيّة ... أوصَيْت أهلي بأن لا يبكوا عليّ و أوصيت أمّي أن تزغرد في عرس شهادتي ... و بعد تقوى الله و طاعته طلبت منهم سداد ديني ... ديني البالغ مائة و ثلاثين قرشاً للبقالة المجاورة ... طويْتها و وضعتها تحت الوسادة... رتّبت فراشي و قلت له ... وداعاً لك يا فراش الجبناء ... لن أموت على فراشي موت البعير ... سأفترِش ساحة المعركة و ألتحف رحمة ربي . ربطت المسدس على خاصرتي و لبست سترة طويلة ... تناوَلْت فطوراً خفيفاً حتى لا أُلْفِت الانتباه ... ثم حملت حقيبتي المدرسية و خرجت ... ألقيْتها تحت الدرج خارج البيت و أسرعت خطواتي ... ركبت الحافلة إلى مدينة الزرقاء ... و اشتريت رصاصاً للمسدس و خنجراً و بالطبع كان على رأس عدتي المصحف الذي وضعته بين عينيّ قلبي في جيب قميصي الأيسر ، ركبت الحافلة ، وجّهت وجهي شطر قرية "دامية" التي ألقوا على أراضيها المغتصبة جسرهم ... هَبَطَتْ بنا الحافلة الصغيرة ... مسرِعةً باتجاه الأغوار ، تردّدت بين الجبال .... تنزل المنحنيات بحذرٍ شديد ... تتشبث بالأرض و تخشى الانزلاق ... ويلٌ للذي يتخلّى عن أرضه فيهوى في وادٍ سحيقٍ ليس له قرار ... الأرض التي منْها خُلِقنا و فيها نُعاد ... تربة الأجداد و خلفاء الله في أرضه ... أرضٌ روَتْها دماء الصحابة ... في الأغوار أبو عبيدة أمين هذه الأمة و معاذ بن جبل و شهداء الكرامة ... اليهود يتشبّثون بأرضٍ ليست لهم و يحلُمون بإعادة أمجاد أصحاب القبور التي لا يعرِف التاريخ عنهم سوى الدسائس و إشعال نيران الحروب و الهلاك .
استوت بالحافلة الطريق و كأنّها وصلت إلى التفاهم المطلوب فشدّت السير و ارتفع نفيرها ... ثم وجدت السائق يخفّف السرعة و يقف و إذا به على نقطة تفتيشٍ للجيش الأردنيّ ... ارتقى جنديّ درجات الحافلة ... تفحّص الوجوه ... أوقَف نظراته عندي ... طلب مني النزول ... سأل و قلبي يلهج بالدعاء ....
- معك هوية ؟! ...كان الجواب جاهزاً :
- لا ، أنا دون السن القانونيّ .
- "على وين رايح" ..
- "على دار عمّي" ..
يوجد من يعرِفُك في الباص ؟!
نظرت إلى نوافذ الباص و إذا بعجوزٍ ينادي :
- نعم ، أنا أعرفه ...
- "يا الله ، مع السلامة" ..
وصلنا إلى قرية دامية قبيل العصر ... لا ِأعرِف في هذه البلدة سوى صاحبٍ واحد ... المسجد ... أنَخْت قلبي فيه ... التجأْت إلى ظلاله محتمِياً من حرّ بقايا الصيف ... توضّأْت و أخرَجْت مصحَفي أترنّم بآيات سورة محمد ، سورة القتال ... [فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ... إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم ... ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا و أنّ الكافرين لا مولى لهم] ... شعرت ببرد يقين هذه الآية و كان قلبي ينفتِح أمام نسائم أشجار الجنّة و يمتلئ بالشذا الذي يأخذ الأنفاس و يريح الصدور ، صلّيت العصر ... جلست ثانية ... توجّهَتْ إلي ّالعيون المتطفّلة ... أشعرتهم بأنّي في انتظار سيارةٍ سأعود معها إلى الزرقاء ... انتظرت مغيب الشمس على أعصابي ... حتى إذا غرِقت في أحلامها ... خرجْت من المسجد باتجاه الغرب ... كنت قد درست المنطقة من خلال معرفتي المسبقة و بمساعدة الخرائط ... دخلت وادي الفارعة و سرْتُ فيه فغابَتْ عني أضواء الغرب حيث كانت كنجوم السماء تهديني نحو الاتجاه الصحيح ... اضطررت للسير أعلى الوادي ... سبَحْت في الظلام ساعتين ... تخطّيت نقاط المراقبة الأردنية و أخيراً وجدت نفسي وجهاً لوحه أمام مياه الشريعة - نهر الأردن - ، أخرجتُ البوصلة و استحضرت ذكرياتي أيّام تدريب الكشافة ... شمّرت عن سيقاني الرفيعة ... كنت أضرب العصا في البحر كما ضربه موسى عليه السلام ... أتحسّس عمق المياه و أعبّ ... وصل مستوى الماء إلى كتفي ... استعنْت بنباتٍ يسبَح على سطح الماء ... تعلّقت به ... تحمّلني ، وجدني خفيفاً فصبر على تطفّلي عليه ... وصلْت الضفة المقابلة ... وجدت جدوَلاً آخرَ أقلّ اتساعاً من الذي خضْت لجتّه ... واصلت السير و أعجبتني كثافة النبات الممدّد على سطحه ... جلَستُ عليه كالطفل الذي يجلس في حِجْر أمّه ... تحمّلني مشكوراً ... ماذا لو تمدّدت عليه ... أرخيْت ظهري و مططت رجليّ و يديّ ... نظرت إلى السماء و زينتها... نظرت إلى الساعة و إذا بها الثانية عشرة ... شعرت بأنّ أمامي متّسعٌ من الوقت ... أطْبَقُتُ جفوني قليلاً ... وجدت نفسي أواجه أعداء الله ... أطلقت رصاصي و أطلقوا رصاصهم ، أصبُتُهم و لم يصيبوني كبّرت و هلّلت ... قفزت من الفرح ... فتحت عينيّ و إذا بالشمس تلفحني بأشعتها ذات اليمين والمياه تترقرق من تحتي... نظرت إلى الساعة فإذا بها الثامنة صباحاً... قمعت نفسي صارخاً في أعماقها : قم أيّها النؤوم ... ماذا لو داهموك و أنت على هذه الحالة ؟ كمّلتّ طريقي باتجاه الضفة المقابلة ... قطعت شارع التمشيط الذي يقومون على فحصه صباح مساء ... اختبأت خلف شُجيْراتٍ أنتظر قدوم دوريّتهم ... ساعة ، ساعتين ، ثلاث و لم تأتِ ... خلَعْت ملابسي المبتلّة و نشرتها على الشجر ... انتظرت لغاية العصر ... لم تصلْ الفاضلة ... لبِستُ ملابسي و انطلقت غرباً ... قطعْت شارعاً ترابياً آخر ، وجدت جرافة على قارعة الشارع ... إذن هذا هو الشارع الذي يمرّون منه ... تفحّصت المكان ... وجدت أن أنسب مكانٍ هو فوهة الجرافة الحديدية ، ربضت فيها و صوّبت مسدسي باتجاه الشارع ... انتظرت ساعة ساعتين ، لم تُشرّف "لعينة الحارسة" و اغتالني النوم مرة ثانية ... قمْت من نومي و الظلام يغمُرني من كلّ جانب ، نظرت غرباً باتجاه الأنوار التي كنْت أراها بعيدة من الضفة الشرقية ... وجدتها قريبة قلت : لم يأتوا همْ فلأذْهب لهم بنفسي أستضيفهم هذه الليلة ... سِرْت قرابة الساعة ، وقفْت على أعتاب موقع حراسةٍ عسكريّ ، برج مراقبة عالٍ ... خنادق قنصٍ على تلة صناعيّة ... حجرتان من الباطون المتنقّل ، كشافات عالية متحرّكة تضيء ما حول المعسكر في كلّ الاتجاهات و على مسافات بعيدة .
رسمت الخطة ... لا بدّ من احتلال هذا الموقع الذي بلا شكّ قتل الكثير من المتسلّلين ، و لا شكّ أنّهم قتَلوا من فلاحي هذه المنطقة و قالوا عنهم متسلّلين ... عملت عمليّة التفافية ... ابتعدت عنه و سِرْت باتجاه الغرب حتى إذا تجاوزته رجعت إليه من الخلف ... تسلّلت من بين الأسلاك الشائكة ... لم أقطَع أيّ سلك ... فحجمي عندما أضغط نفسي يصبح كقطّة سمينة ... كنت أسمَع بأنه عند المواجهة و في معمعات المعارك تتراقص القلوب و قد تبلغ الحناجر في ضرباتها الخائفة ... و لكن بفضل الله كنت أنطنط و كأنّي في لعبة "التغماية" التي كنْت ألعبها في صغري أو لعبة "عرب و يهود" و التي كنّا نمثّلها في الحارة ... وجدت سرداباً يوصِل بين خندق الحراسة و الحجرات ... كيْ يهروِلون من خلاله إلى خندق القنْص عند وجود الخطر ... صدّق أو لا تصدّق... بِلْتُ فيه ساخراً منهم و من احتياطاتهم الأمنيّة . نظرت إلى البرج بعد أن قضيْت حاجتي في السرداب ... أغاظني العلم (الإسرائيليّ) الذي يرفْرِف فيدنّس هواء فلسطين ... قفزت باتجاهه أتسلّق البرج كيْ أُنَكّس كبرياء هذا الزنديق ..
انتبهت إلى لمعات نظّارة جنديّ صارَ أسفل منّي يقبع في خندقه [لا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر] نزلت إليه صوّبت فوهة مسدسي على قلبه "أتاك قبّاض الأرواح يا تارك الصلاة" ... كبّرتُ في سرّي خوفاً من انتباههم ... أطلقت على الأول ، أنثني و ارتطم في الأرض ... أتبعته بثلاثٍ أُخَر ... توجّهت إلى رفيقه في الخندق و الذي ارتجفت يداه على جهاز الاتصال ، أراهِنُ على أنّه بالَ في سرواله .. أطلقت عليه و لم تخرج الرصاصة ... ماذا دهاك يا صديقي العزيز ... هممت بصفْع الجندي و لكني تراجعت إلى الجنديّ القتيل ... سحبت سلاحه ثم توجّهت إلى الحجرة حيث الجنود في نومهم غارقون ... غابوا في سكرات الخمر و أسبتوا ليلهم بسلام ، قرأت الإشارات المحفورة على البندقية ، شغّلت كبسة الإطلاق السريع ... لحق بي الجنديّ ... صوّبت عليه ، ضغطت على الزناد ، لم ينطلق الرصاص ... مخزنان معلّقان في باغة الإطلاق و لم تنطلق أية رصاصة ... وصلني الجنديّ الجبان و هو يصرخ و يصيح ... ضربته بكعب البندقية في صدره ... طوّقني بقية الجنود و تهاويت تحت وقع ضرباتهم ... وضعوا القيد في يديّ و قدميّ و واصلوا ضربي ... كانون يتصوّرون أن الفتى الذي تسلّل بهذه الخفة و قتل و أدخل الرعب في القلوب لا يمكِن أن يكون إلا "سوبرمان" من الذين يرونهم في الأفلام ... واجهت ضرباتهم بابتسامة راضية مطمئنة صفراء منهكة ... كان لسان حالي يقول لهم (يا جبناء تتشاطرون على الفتي المقيّد ... تظهِرون بطولاتكم و قدراتكم العسكريّة الآن... هيّا بنا إلى مواجهة عسكرية متكافئة ... لا أريدها متكافئة ... أعطوني صديقي العزيز بعد أن أُصلِح عطبه و قِفوا أمامي بخيلكم و رجلكم و شياطينكم و أسلحتكم... يا لكم من جبناء) !! ..
وصل فريقٌ عسكريّ للتحقيق ... ركّز في تحقيقه على سؤالٍ واحدٍ : من معك ؟! خافوا من الأشباح التي قد تداهمهم على شاكلتي ... لم يتصوّروا و لا حتى في أحلامهم المزعجة أن تصيبهم هذه الكارثة بهذه الأيدي الصغيرة .
نقلوني إلى أقبيةِ تحقيقٍ بعيدة جداً عن هذا الموقع ... كنت فرِحاً ، فخوراً بنفسي التي أثبتَتْ لي شجاعتها ... غرِقت في فضل الله و شكر نعمائه و تذكّرت الآية التي كنْت أقولها لأصحابي عندما أَقذِف بالحجر [و ما رميت إذا رميت و لكنّ الله رمي] .. كان فرحي لفضل الله بأنْ منّ عليّ بحرب اليهود و القتل من جنودهم ... أمنيّة يتمنّاها ملايين المسلمين و ها أنا قد حظيت بها .
كنْت أعانق الأقصى ... أعانِقُ في سمائه أرواح الشهداء ... أستشعرهم في صحبتي راكعين ساجدين معاً بين يدي المولى عزّ و جلّ [و عجِلْت إليك رَبِّ لترضى] ..
شدّدوا عليّ في الأيام الأولى من التحقيق ... ما الذي دفعك لهذه (الجريمة) ؟ من معك ؟! كان جوابي الساخر طيلة فترة التحقيق :
- كنت في رحلةٍ ، ضللت الطريق ... و جدت نفسي أمام جنديّ يريد قتلي ... سحبت مسدسي و دافعت عن نفسي ...
يصرّون على أسنانهم و يسألون :
- الرحلة تحتاج إلى مسدس ؟
- نعم ، لأنّ المنطقة تكثُر فيها الضباع .
و استمرّ التحقيق ، لبن و زيت زيت و لبن ... قالوا عني ولدٌ معتوه ، مجنون ... جنّ أزرق ... ألقوه في السجن في ستين داهية .
بعد خمسين يوماً رُحِّلت من التحقيق إلى سجن عسقلان و توفّرت فرصة للإفراج عنّا ، عندما وقع أبطال الموساد في قبضة الحكومة الأردنية !! نقضوا العهود ، ضرَبوا بعرض الحائط الاتفاقيات التي ختَموا عليها بحوافرهم الأربعة ... نفثوا خبْثَهم من خلال أسلحة كيماوية متطوّرة في أذن خالد مشعل وسط عمّان العاصمة ... فشلت عمليّتهم ... صرّح الملك و السادة الوزراء بأن أقلّ ثمنٍ هو إطلاق سراح الأسرى الأردنيين ... تفاءلْنا و عقدنا الآمال ... طارت أرواحنا حيث الأهل و الأحبّة ... صرّح ضباط "إسرائيليّون" من كبارهم بأنّ الملك بإمكانه تبييض السجون مقابل أسيريْ "الموساد" ... تدخّل الوجه السياسيّ المعروف بإجرامه ، شارون ، تمخضّ الجمل و ولد فأراً ... أعاد رجال الموساد معه و تمّ الإفراج عن بعض الأحكام الخفيفة و شيخ المجاهدين و بقينا هنا قابعين ..
بدأتْ رحلة الجهاد .. أنت تعلم أنها جهادٌ من نوع آخر ، صمْتٌ طويل لفّني بعباءته ، وجدت نفسي غارقاً فيه و مستسلِماً أمام هذه الإيقاعات الساحقة ... وجدت نفسي أمام مشاهد ألقَتْ القبض على روحي و قلبي و على كل مكنوناتي .
قلت له :
- و ماذا عن العلْمِ الذي ضحَّيْت به من أجل الجهاد ؟ ..
ابتسم و أجاب :
- ما زلْتُ في ساحة الجهاد ... العلْم أصلاً هو ساحةٌ من ساحات الجهاد ... لقد جمعت ثلاثاً في واحدة : جهاد السجن و جهاد المرض و جهاد العلم ..
كما تعلَم ففي السنة الخامسة من الحبسة داهمتني أمراضٌ صعبة أعاني و أصبر و أحتسِب و الحمد لله ... فتح الله لي باب العلم و سمحوا لنا بالدراسة الجامعية ... واصلت على كلّ الجبهات ... السجن و المرض و العلم .. و كلّ ذلك في سبيل الله ..
خضت غمار العمل العسكريّ و ها أنا أدرس العلوم السياسيّة و بداية الحبسة أخذت نصيبي من العلوم الدينيّة ..
و حسب واجب الوقت علينا أن نتحرّك ... مشوارنا طويل ... ما زال الأقصى أسيراً ... نكبات المسلمين تتوالى ... نكبة 48 يُعاد إخراجها في "الكوسوفو" في قلب الحضارة الغربيّة لم ندخُل المعركة بعد ... كانت جولة سريعة و المستقبل يحمِل في طيّاته الكثير ... و الإعداد مطلوب في كلّ الميادين ..
شددت على يده ، و قلت : قوّاك الله لما يحبّ و يرضى ...
و تمتمت : [فلولا نفرٌ من كلّ فرقةٍ منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين و لينذِروا قومَهم إذا رجعوا إليهم] ...
سلطان العجلوني
تاريخ الاعتقال 15/11/1990م
الكاتب : وليد الهودلي
[
Next Thread |
Previous Thread |
Next Message |
Previous Message
]
| |